القصة الأولى من تقرير “قانون يسلب المواطنة ” يافا: “الأب في الجرار…”

أصدرت المؤسسة العربية لحقوق الإنسان تقرير “قانون يسلب المواطنة” تعديل قانون المواطنة وأثره على العائلات الفلسطينية في إسرائيل- ستقوم على مدار الأسبوع بنشر القصص الواردة في التقرير تباعاً. الرجاء تعميم القصص، القصة الأولى: ” يافا: “الأب في الجرار…”

يافا: “الأب في الجرار…”

هي من عائلة يافاوية أصلية، “جد جد جدي، وعلى مدى أجيال سابقة، وُلد وعاش في يافا. أنا لم أهاجر الى إسرائيل، بل بقيت في وطني حين قامت إسرائيل على أرض هذا الوطن. فأصبحتُ مواطنة إسرائيلية”- هذا ما تقوله نيلي أبو قاعودالمتزوجة من سمير كلاّب العربي الفلسطيني مثلها… “لكنه من مخيم خان يونس في قطاع غزة المحتلة من قبل إسرائيل منذ حزيران 1967” – تضيف نيلي. تعرّفا على بعض وتزوجا في يافا عام 2001 وأنجبا طفلين: لطيفة عام 2002 وعلي عام 2003.

يعود أصل عائلة كُلاّب الى يافا أيضاً، لكن العائلة تشردت عام النكبة 1948، واستقرت في غزة. عندما كانت الطرق مفتوحة والتنقل مسموحاً بين يافا وغزة، جاء سمير مع إخوته الكبار للعمل في يافا، كان عمره 12 عاماً. شبّ في يافا، تعرف على نيلي، أحبّا بعض وتزوجا وعاشا معاً في المدينة. في أوائل عام 2004 قامت السلطات الإسرائيلية باعتقال سمير وطرده الى غزة. “أخذوه مني ومن ولديه الطفلين وكبّوه في غزة…” تقول نيلي. هكذا ببساطة… لأنه كان قد صدر يومها “قانون المواطنة والدخول الى إسرائيل- التعديل رقم 1”. “زوجي، أنا المواطنة، لم يَعُد مواطناً، أصبح “متسللاً” ومقيماً غير شرعي في بيته مع عائلته-  وأولاده” تقول الزوجة باستغراب!

عندما اعتقلت الشرطة سمير كانت نيلي مريضة بسرطان الثدي، وكان عمر صغيرهما علي أربعة أشهر. فاضت “إنسانية” السلطات فقررت اعتقاله لمدة ستة أشهر، ثم فاضت “إنسانية” القاضي من بعدها فقرر اعتقاله منزلياً في بيته على أن لا يخرج منه أبداً. زوجته مريضة ولا أحد يعرف إن كانت ستشفى، وعندهما طفلان- أي أن الاعتقال والحبس المنزلي لمدة سنة، تمهيداً للإبعاد إلى غزة، لزوج إنسانة-مواطنة، أم لطفلين- يأكلها السرطان، هو قمة ما يسمح به استثناء القانون “لأسباب إنسانية”. وكأنّ “عدالة” إٍسرائيل تنتظر وفاة الزوجة وترحيل زوجها مع ولديه الى غزة، أو شفاءها وطرد الأب مع عائلته، أو بقاء الأم مع طفليها بدون زوج وأب إذا ما أصرّت على الاحتفاظ بمواطنتها وبقائها في بيتها في يافا. لكن بعد أربعة أشهر من الاعتقال المنزلي اضطر سمير للخروج من بيته. ضبطته الشرطة و”كبّوه” في غزة…

مرّ على هذه الحال ما يقارب ثماني سنوات حتى اليوم (أيار 2012). الأم والأبناء في يافا والأب في غزة. باءت بالفشل كل محاولاتهما لجمع الشمل. إذ أن تفسيخ العائلة وحرمان الزوجة والأطفال من زوجها- والدهم وحرمان الأب من عائلته، ليس “عاملاً إنسانياً” كافياً يوجب إعطاء الزوج حق المواطنة ولا حق الإقامة المؤقتة، أو حتى حق زيارة عائلته لساعات قليلة، ولَوْ مرة واحدة في السنة!

“أكتب، أكتب… دع منظمات حقوق الإنسان ودول العالم تعرف مأساتنا” – تنفجر نيلي (أم علي) حين تراني أدوّن كلامها. وتتابع: “لكن أطلب منهم أن يزورونا، فليأتوا وليعيشوا معنا لأسبوع، بل ليوم واحد”. ربما يجدون جواباً لسؤال الزوجة والأبناء لماذا حُكم عليهم أن يعيشوا بلا زوج- أب. “أرملة وأيتام” لزوج ولأب ما زال حيّاً ويقطن على بعد ساعات قليلة من السفر عنهم. ربما يجدون عندها أيضا جواباً للأطفال: لماذا برّاد الطعام شبه فارغ يومياً، ولماذا يستيقظون ليلاً على صوت شهيق مكبوت لأمهم، ولماذا يعيش الجار مايكل مع زوجته كاتيا، ويلعب مايكل بالطابة مع أولاده ويأخذهم للبحر للسباحة، بينما والدهم في غزة وممنوع من العيش معهم؟

إلتقيتُ بأم علي وأولادها في حديقة عامة قرب شاطئ البحر- الشاطئ ذاته حيث تعرفت قبل 12 عاماً على سمير. لاحظت وجود طفلتين صغيرتين إضافيتين معها، عدا عن الطفلين لطيفة وعلي. اسم “الكبرى” رقية وعمرها سنتان، واسم “الصغرى” مينا وعمرها أربعة أشهر.

لم أسأل أم علي عن الطفلتين، لكنها لاحظت حرجي من السؤال فبادرتني بالكلام، “جلبتهما من غزة…”. يحق لنيلي أن تزور زوجها في خان يونس، لكن عليها أن تقطع طريقاً طويلاً من الآلام والمماطلة حتى تحصل على التصريح. هي تريد رؤية زوجها وتريد للطيفة وعلي، وقد كبرا، أن يتعرفا أكثر على والدهما وأن يتعرف والدهما عليهما. وأخيراً حصلت على التصريح وعادت من غزة حاملاً برقية. ولأن زوجها مُنع من زيارتها في أسابيع حملها الأخيرة ورؤية ولادة ابنته ، قررت نيلي أن تزور غزة لتُعرّف زوجها على مولودته الجديدة. عادت من هذه الزيارة الثانية حاملاً بمينا. الآن تريد أم علي تقديم طلب بالسماح لها بالسفر مرّة ثالثة الى غزة “أريد أن أريه ابنته مينا، هي صورة مصغّرة عنه” – تقول.

أسالها: ألم يقدّم هو طلباً لزيارتكم لرؤية مينا؟ تجيبني أم علي: “بلى، قدّم ورفضت السلطات الإسرائيلية طلبه، هو اليوم مسجون في غزة. الحمد لله، هذا أفضل من أن يقتله الجنود على الحدود”.

حين رُفِض طلب سمير بدخول البلاد، قرّر أن يدخلها متسللا عن طريق الحدود المصرية مع إسرائيل. ضبطه الجنود المصريون قبل وصوله الى الحدود الإسرائيلية وأعادوه الى غزة. اعتقلته السلطة في غزة وسجنته، إذ  اشتبهت فيه أنه، إما مهرّباً للمحظورات وإما عميلاً لإسرائيل.

استطعتُ أن أهاتف سمير- أبو علي- في سجنه في غزة. سيتم إطلاق سراحه قريباً.  كما يظهر أصبحت السلطة هناك شبه متأكدة من صحة روايته. (إعفوني من ذكر كيف توصّلت إليه واستطعت مهاتفته وهو داخل السجن). سألته عن زوجته نيلي وأولاده، شعرت أنه يحسدني لأني أنا الغريب ألتقي بزوجته وبأبنائه، وهو لا يقدر على ذلك. أراد أن أصف له بدقة شكل الطفلة الرضيعة مينا التي لم يرها منذ ولادتها. أجبته: زوجتك أم علي قالت لي إنها تشبهك مائة بالمائة، وأنها بدأت تعلّمها النطق بكلمة “بابا” وتريها صورتك وهي تعلّمها…

على الطرف الثاني من الخط ساد صمت طويل رهيب … قطعته حشرجة مكبوتة. “البابا… صورة”- علا صوت أبو علي ثم انفجر: “هل يعرف اليهود والعالم معهم كيف يتعرف العربي الفلسطيني على أبيه؟ وكيف تصبح رؤيةالعربي لابنه خطراً أمنياً، ولقاء الزوج بزوجته وعيشهما معاً مع الأبناء كعائلة… عملاً إرهابياً يهدّد كيان الدولة، إلى متى يصمت هذا العالم؟، عشتُ 12 عاماً في يافا دون أن أقترف أية مخالفة أمنية، وتزوجت قبل صدور ذاك القانون الملعون، أي ذنب أو خطأ ارتكبتُ في حياتي؟ أم أن ذنبي هو ولادتي عربياً وحبي وزواجي من امرأة عربية فلسطينية تحمل الجنسية الإسرائيلية؟ لكن ما ذنب الأطفال؟! هل عليّ أن أتهوّد حتى أعيش مع عائلتي؟ وهل تقبل إسرائيل أصلاً أن أتهوّد.ّ”

تعيش نيلي وأبناؤها الأربعة في “شقة” من غرفتين صغيرتين وزاوية أصغر للمطبخ. هذه ليست شقة عملياً، وإنما عيادة سابقة لطبيب أسنان استأجرتها وجعلت منها شقة للسكن. بسبب إعاقتها المرضية هي لا تعمل، وتعتاش بفقر على مخصصات “التأمين الوطني” التي تصرف غالبيتها على أجرة “الشقة” وفاتورة الكهرباء والمياه والغاز، ويتبقى القليل للطعام وللثياب ولتنشئة وتعليم أربعة أولاد. هي لا ترسل ابنتها الثالثة- رقية- إلى الحضانة، لعدم تمكنها من دفع الأقساط الشهرية، والجيران أعطوها عربة أطفال مستعملة لابنتها الرابعة- مينا- للجلوس وللتنقل… وللنوم فيها. الأنفار الخمسة ينامون في غرفة واحدة صغيرة.

تطلب أم علي من أبنائها الأربعة المتحلقين حولها الذهاب للعب والابتعاد عنّا، تطمئن لابتعادهم فتجهش ببكاءٍ مرير وتقول: “كبر الأولاد، أصبحوا يسألون عن والدهم، ولماذا لا يعيش معهم، ولماذا لا يستطيعون شراء ما يحتاجونه كسائر الأولاد. افتتاح السنة الدراسية يوم فرح للناس ويوم مصيبة بالنسبة لي، أتمنى سنوياً أن يتأجل. إذ كيف سأستطيع تدبير الأمور مالياً وشراء الحقائب والكتب والدفاتر والقرطاسية للطيفة وعلي. حتى مجيء العيد مصيبة ومأساة، أصبحتُ لا أشارك أهلي وأقاربي في الاحتفالات المشتركة بالأعياد، أي طعام سآخذ الى هناك، وماذا مع نظرات أطفالي لأطفال الأقارب وهم يرتدون ثياب العيد الجديدة ويتفاخرون بهدايا العيد من آبائهم وأمهاتهم. أطفال يكبرون بعوز دائم بلا أب، بلا ثياب جديدة وألعاب، بلا أعياد … ماذا سيكون مصيرهم.”

تبكي نيلي دمعاً جافاً، تسقط دمعتان كبيرتان من عينيها على وجنتيها وتستقران هناك. أغض الطرف عنها وأتفرس في الأرض لإخفاء دمعي. أفكر بسّري: “كيف بإمكاني جلب قضاة محكمة العدل العليا الى هنا لرؤية هاتين الدمعتين على وجنتي نيلي ولسماع كلامها”. ثم أشيح بنظري بعيداً فيقع على الابن علي يتكئ على جذع شجرة في الحديقة وعيناه متسمرتان على مجموعة أولاد يتناولون المرطبات والبوظا ويلعبون بألعاب (طابات ودرّاجات جلبوها معهم من بيوتهم). أتجه نحوه وأضع في يده نقوداً “خذ هذه النقود واشتر مرطبات وبوظا”. يعيد لي النقود بأنَفٍ، أقول له “هذه النقود من أمك”. لا أعرف إن كان قد صدقني. أخذها وذهبنا معاً للشراء، ودار بيننا هذا الحديث:

  • علي، هل تتحدث مع والدك؟

o      نعم، أتحدث معه يومياً في الصباح والمساء.

  • عن ماذا؟

o      أسأله عن حاله وأحدثه عن دروسي وعن أخوتي وعن الماما، وأطلب منه أشياء أريد أن يجلبها لي عندما يعود للعيش معنا.

  • تتحدث معه عن طريق الهاتف طبعاً؟

o      لا. أنا أتحدث معه عن طريق “الجرّار”، لكن أكيد البابا يسمعني.

صُعقْت، سألتُ والدته عندما عدنا ما هو “الجرار” الذي يقول علي إنه يتحدث بواسطته مع أبيه؟ صُعقت هي الأخرى. فسّرت لي أن “الجرار” باللهجة اليافوية هو “الجرور”. توجد في غرفة نومهم مرآة في أسفلها جارور، وداخل الجارور توجد صورة لأبي علي. “الآن فهمت لماذا غالباً ما أجد الجارور مفتوحاً حين أدخل غرفة النوم”- قالت أم علي.

ودّعتُ نيلي، ليس قبل أن أقول لها: “من يجعل من أب الأطفال صورة في جرّار، يضع قيم الديمقراطية والعدالة على كفي عفريت، ويضع مستقبل شعبه ودولته “اليهودية” في زنزانة”. قبل أن أبتعد سمعتها تنادي: “يا أستاذ، يا أستاذ، نسيت أن أقول لك إن جارتنا كاتيا يهودية قدمت الى البلاد من روسيا قبل 12 عاماً، وحصلت على المواطنة في المطار حال وصولها. قبل تسع سنوات سافرت للسياحة في أمريكا، تعرفت هناك على مايكل الأمريكي، هو ليس يهودياً، تزوجا وعادا الى البلاد. أصبح مايكل أيضا مواطناً”.

التقرير كامل:

http://www.arabhra.org/HraAdmin/UserImages/Files/Citizenship%20Law-Arabic.pdf

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s