القصة الثالثة من تقرير “قانون يسلب المواطنة ” أقصى أحلامي: زوج يعيش معي أباً لأطفالنا “

أقصى أحلامي:

زوج يعيش معي أباً لأطفالنا

“هي” من قرية في النقب، من عائلة بدوية أصلية في المنطقة شردتها النكبة عام 1948 وقطعت تواصلها. قسم كبير من العائلة استقر بعد تشريده في بلدات الضفة الغربية. احتلال حزيران 1967 أعاد التواصل للعائلة فتعرف عليها أحد أقاربها من بلدة في الضفة. تزوجا وسكنا حيث تقطن الزوجة في النقب وأنجبا أطفالاً. استفاقت “هي” ذات يوم لتجد زوجها مبعداً للضفة، وممنوعاً ليس فقط من حق الإقامة المؤقتة، وإنما حتى من حق الزيارة عندما يريد.

رفضت “هي” أن أنشر أسمها الحقيقي ولا اسم زوجها، وطلبت أن أبدل بعض المعلومات عن عائلتها حتى لا يتم التعرف عليها. “يكفينا ما نحن فيه من ملاحقات وتهديدات وحتى من ضغوطات لتجنيدي أنا المواطنة العربية في إسرائيل، أو زوجي المواطن الفلسطيني في الضفة، للعمل مع المخابرات الإسرائيلية ضد شعبنا مقابل وعود ببعض التسهيلات لنا”- قالت.

لنعطِ العائلة أسماء رمزية ذات مغزى يعكس حالتها، لنسمِّ الأم “فلسطين“، ولنقل إن عمرها 35 عاماً وأنها أم لأربعة أبناء. ولنسمّ الأب “عربي” ولنقل إن عمره 40 عاماً، وأن أعمار الأبناء تتراوح بين السنتين والإثني عشر عاماً، وأسماء البنتين: “باقية” و”حنين”، والابنين “صامد” و”نضال”.

الأب “عربي” غريب ومطرود من أرض العرب ومسقط رأس عائلته – النقب. الأم “فلسطين”  تشتاق إلى أهلها العرب وتعتقد أنه من الطبيعي أن تتزوج عربياّ ومن أقاربها وعشيرتها. وتتساءل “بأي حق يعتبر القانون الحق الطبيعي جرماً يستحق العقاب”. الابنة “باقية”، الطالبة الممتازة في صفها المدرسي تصّر على البقاء في قريتها ومدرستها وعلى حلم انتظار عودة الأب ولو لمرة واحدة، لحضور حفل تسلمها شهادة الامتياز التعليمي، حين تترفع من صف مدرسى الى آخر. أما “حنين” فلا تكف عن الحنين للوالد وتداهمها الأحلام والكوابيس أثناء النوم لدرجة إثارة الشكوك حول إصابتها بمرض نفسي يلازمها. الابن “صامد” ما زال صامداً في محاولة تمثيله لدور رب العائلة، رغم كونه طالباً في المرحلة الدراسية الابتدائية ورغم أن مرض القلب يهدد حياته. والابن “نضال” متأكد أنه سيكبر قريباً ويصبح مناضلاً وقادراً على الكفاح لإعادة وحدة عائلته، رغم أن الذبحة الصدرية وضيق النفس يكادان يقتلانه.

من حق الأم أن تعتقد أن وضع العائلة السكني والاقتصادي الاجتماعي الفقير والنفسي الخانق والتوتيري… هو الأساس والسبب لمرض الأطفال. “بيتهم” عبارة عن براكية صغيرة من الصفيح والخشب لا تصل مساحتها الى 20 م²، وتأوي خمسة أنفار دون أن تقيهم من حر الصيف ولا برد ومطر الشتاء. الأم هي رب العائلة… “أنا الأم والأب والمعيل الذي عليه أن يعيل عائلة من دخل بخس من مخصصات التأمين الوطني التي أقبضها”. هي تتذكر بحرقة سنوات خلت حين كان زوجها يعيش معها في القرية ويعمل في البلاد ويسكنان في بيت أفضل.

كان ذلك قبل صدور ذاك التعديل الملعون لقانون المواطنة. تقول “فلسطين”: “أصبح زوجي، بعد صدور القانون، من “دولة معادية” وفي “حرب مع إسرائيل” مع أن أصله من النقب ومن أقاربي وقبيلتي. ورغم أنه لا يجيد حتى استعمال بارودة صيد بدائية للطيور وللحيوانات البرية. ولا توجد في سجلّه أية مخالفة أمنية حتى في السنوات التي عاشها معي في النقب داخل إسرائيل”.

“فلسطين” والأولاد في تواصل هاتفي مع الأب – “عربي”، ويزورونه أحياناً. إذ أن زيارة “المواطن الإسرائيلي” للضفة الغربية ليست ممنوعة ولا تحتاج الى تصريح مثل الزيارة لغزة. لكن كل زيارة تكلفهم مقابل السفريات في سيارة مستأجرة (لا يوجد بين بلدتيهما خط مواصلات عامة) ما يقارب ال200 دولار. ويكون على الأم أن تقرر كل بضعة أشهر هل تحرم بيتها وأولادها من بعض الطعام والثياب حتى ترى الزوج ويرى الأبناء أباهم، أو تتنازل عن السفر واللقاء. كلا القرارين صعب ويُثقلان على ضميرها. تقول الأم- “فلسطين”: “تحسدني إحدى صديقاتي في القرية لأن زوجها مبعد إلى غزة ويكاد يتعذر عليها وعلى أبنائها تحصيل تصريح لزيارته. لكني أصارحك بأني أنا التي أحسدها، لأنها غير ملزمة بالاختيار بين إطعام العائلة وبين رؤية الأب. أعفوني من هذا الامتحان”.

الأب “عربي” مثله مثل سائر الناس البسطاء العاديين في الضفة… فقير هو الآخر وعاطل عن العمل يتلقط عملاً موسمياً مؤقتاً بين الحين والآخر. لذلك توصّل مع زوجته إلى ابتداع حل لمشكلة الزيارة بأن يزورهم هو، المحروم من دخول إسرائيل، خفية وتسللا. هذا قرار حافل بالمخاطرات … إذ قد يجري ضبطه على الحدود أو في بيت وقرية الأم أثناء الزيارة، ومن ثم اعتقاله والزج به في السجن لشهور، أو لسنوات إذا ما جرى تلفيق تهمة أمنية له، كما تقول “فلسطين”.

تعلو فجأة ابتسامة رضا على وجه “فلسطين”، تنظر حولها متفحصة المكان فيما إذا كان أحد يرانا أو يسمعنا. تهمس لي: “لكنه يزورنا، وأحياناً مرتين في السنة الواحدة”. ابتسامة الرضى على وجهها تتحول إلى ما هي أشبه بابتسامة الانتصار. انتصر “عربي وفلسطين” والأطفال “باقية وحنين وصامد ونضال” على دولة إسرائيل… على القوة العسكرية الرابعة في العالم ومالكة السلاح النووي. لقد هزموها… والتقوا كعائلة، أباً وأماً وأربعة أطفال!

“أحلم بزوج وبأب للأطفال، مثل كل الأزواج والآباء… يعيش مع عائلته. هذا أقصى ما أحلم به.”- تقول “فلسطين”. حين يزورهم “عربي” سراً يأتيهم متخفياً ومتلحفاً بسواد الليل حتى لا يراه ويتعرف عليه أحد. يحبس أنفاسه داخل البراكية، ويتحلق الأولاد معاً حوله وعليه- على ظهره وعلى رجليه وعلى صدره. بعد يوم أو يومين يختفي هذا الفرح السجين. ابنٌ يقول لي إنه يحلم بأن يخرج أبوه معه للشوارع وللبلدة القريبة … مثله مثل كل الآباء. وبنت تسأل لماذا لا يأخذها والدها للتسوق في المدينة القريبة… مثلما يفعل آباء زميلاتها. “حتى عندما زارنا في أحد الأعياد لم نستطع السفر كعائلة مع الأولاد لحدائق وأماكن الألعاب والأسواق، كما تفعل كل العائلات. إذ قد يصادفنا شرطي ما ويطلب هوياتنا الشخصية … وعندها سيُعتقل الزوج ويُزّج به في السجن، فلا نراه في زيارة مكلفة منا ولا في زيارة سرية تسللية منه، لذلك عيّدنا “سجناء” في البراكية- تقول “فلسطين” .

ليس الأولاد فقط وإنما الأم أيضا تعاني من شتى الأمراض. هي من ناحية العمر، ما زالت فتية. لكنها تعاني من شتى أعراض الأمراض- الضغط والسكري وضيق النفس. نصحتها عجوز من القرية بأن تطلق زوجها وتتزوج من آخر يكون “أباً” للأطفال وسنداً لها ومعيلاً للعائلة. احتدت “فلسطين” لهذه النصيحة، وزعقت: “بأي حق أعاقب زوجاً أحبني ولم يتزوج من امرأة ثانية رغم افتراقنا القسري الطويل؟ ثم أنا لا يمكن أن أجلب “أباً” جديداً للأطفال. ولا يمكن لأي أب “جديد” أن يحب الأطفال كما يحبهم والدهم وكما يحبونه هم أيضا. ينصحني البعض هنا بالطلاق، وينصحه البعض هناك بالزواج من امرأة ثانية. و”ينصحنا” المسؤولون في وزارة الداخلية، الذين يرفضون سنوياً طلبنا بلم الشمل، بأن ننسى حلمنا البسيط والطبيعي بأن تعيش الزوجة مع الزوج ومع أولادهما تحت سقف واحد. لكن لن نُطلّق حلمنا وحلم أطفالنا بأن يعود زوجي- والدهم للعيش معهم. “فلتُطلق” إسرائيل قانونها-” تنهي “فلسطين” كلامها معي.

الابن الأصغر “نضال” يلعب بالأتربة مع بعض دجاجات، ليس بعيداً عنا، وينظر إلينا بين الحين والآخر. لا أعرف أن كان يسمعنا أو إن كان يفهم ويعي ما يكون قد سمعه. لكنه يفاجئنا، منادياً صارخاً على أمه : “يما أنا راح ارجّع أبوي”!

هل يسمع العالم تصميم الطفل “نضال”؟! أو آهة ورجاء الأم “فلسطين” التي تقول إن أقصى أحلامها هو أن يعيش زوجها معها، أباً لأطفالهما.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s