القصة الثالثة من تقرير “قانون يسلب المواطنة ” أقصى أحلامي: زوج يعيش معي أباً لأطفالنا “

أقصى أحلامي:

زوج يعيش معي أباً لأطفالنا

“هي” من قرية في النقب، من عائلة بدوية أصلية في المنطقة شردتها النكبة عام 1948 وقطعت تواصلها. قسم كبير من العائلة استقر بعد تشريده في بلدات الضفة الغربية. احتلال حزيران 1967 أعاد التواصل للعائلة فتعرف عليها أحد أقاربها من بلدة في الضفة. تزوجا وسكنا حيث تقطن الزوجة في النقب وأنجبا أطفالاً. استفاقت “هي” ذات يوم لتجد زوجها مبعداً للضفة، وممنوعاً ليس فقط من حق الإقامة المؤقتة، وإنما حتى من حق الزيارة عندما يريد.

رفضت “هي” أن أنشر أسمها الحقيقي ولا اسم زوجها، وطلبت أن أبدل بعض المعلومات عن عائلتها حتى لا يتم التعرف عليها. “يكفينا ما نحن فيه من ملاحقات وتهديدات وحتى من ضغوطات لتجنيدي أنا المواطنة العربية في إسرائيل، أو زوجي المواطن الفلسطيني في الضفة، للعمل مع المخابرات الإسرائيلية ضد شعبنا مقابل وعود ببعض التسهيلات لنا”- قالت.

لنعطِ العائلة أسماء رمزية ذات مغزى يعكس حالتها، لنسمِّ الأم “فلسطين“، ولنقل إن عمرها 35 عاماً وأنها أم لأربعة أبناء. ولنسمّ الأب “عربي” ولنقل إن عمره 40 عاماً، وأن أعمار الأبناء تتراوح بين السنتين والإثني عشر عاماً، وأسماء البنتين: “باقية” و”حنين”، والابنين “صامد” و”نضال”.

الأب “عربي” غريب ومطرود من أرض العرب ومسقط رأس عائلته – النقب. الأم “فلسطين”  تشتاق إلى أهلها العرب وتعتقد أنه من الطبيعي أن تتزوج عربياّ ومن أقاربها وعشيرتها. وتتساءل “بأي حق يعتبر القانون الحق الطبيعي جرماً يستحق العقاب”. الابنة “باقية”، الطالبة الممتازة في صفها المدرسي تصّر على البقاء في قريتها ومدرستها وعلى حلم انتظار عودة الأب ولو لمرة واحدة، لحضور حفل تسلمها شهادة الامتياز التعليمي، حين تترفع من صف مدرسى الى آخر. أما “حنين” فلا تكف عن الحنين للوالد وتداهمها الأحلام والكوابيس أثناء النوم لدرجة إثارة الشكوك حول إصابتها بمرض نفسي يلازمها. الابن “صامد” ما زال صامداً في محاولة تمثيله لدور رب العائلة، رغم كونه طالباً في المرحلة الدراسية الابتدائية ورغم أن مرض القلب يهدد حياته. والابن “نضال” متأكد أنه سيكبر قريباً ويصبح مناضلاً وقادراً على الكفاح لإعادة وحدة عائلته، رغم أن الذبحة الصدرية وضيق النفس يكادان يقتلانه.

من حق الأم أن تعتقد أن وضع العائلة السكني والاقتصادي الاجتماعي الفقير والنفسي الخانق والتوتيري… هو الأساس والسبب لمرض الأطفال. “بيتهم” عبارة عن براكية صغيرة من الصفيح والخشب لا تصل مساحتها الى 20 م²، وتأوي خمسة أنفار دون أن تقيهم من حر الصيف ولا برد ومطر الشتاء. الأم هي رب العائلة… “أنا الأم والأب والمعيل الذي عليه أن يعيل عائلة من دخل بخس من مخصصات التأمين الوطني التي أقبضها”. هي تتذكر بحرقة سنوات خلت حين كان زوجها يعيش معها في القرية ويعمل في البلاد ويسكنان في بيت أفضل.

كان ذلك قبل صدور ذاك التعديل الملعون لقانون المواطنة. تقول “فلسطين”: “أصبح زوجي، بعد صدور القانون، من “دولة معادية” وفي “حرب مع إسرائيل” مع أن أصله من النقب ومن أقاربي وقبيلتي. ورغم أنه لا يجيد حتى استعمال بارودة صيد بدائية للطيور وللحيوانات البرية. ولا توجد في سجلّه أية مخالفة أمنية حتى في السنوات التي عاشها معي في النقب داخل إسرائيل”.

“فلسطين” والأولاد في تواصل هاتفي مع الأب – “عربي”، ويزورونه أحياناً. إذ أن زيارة “المواطن الإسرائيلي” للضفة الغربية ليست ممنوعة ولا تحتاج الى تصريح مثل الزيارة لغزة. لكن كل زيارة تكلفهم مقابل السفريات في سيارة مستأجرة (لا يوجد بين بلدتيهما خط مواصلات عامة) ما يقارب ال200 دولار. ويكون على الأم أن تقرر كل بضعة أشهر هل تحرم بيتها وأولادها من بعض الطعام والثياب حتى ترى الزوج ويرى الأبناء أباهم، أو تتنازل عن السفر واللقاء. كلا القرارين صعب ويُثقلان على ضميرها. تقول الأم- “فلسطين”: “تحسدني إحدى صديقاتي في القرية لأن زوجها مبعد إلى غزة ويكاد يتعذر عليها وعلى أبنائها تحصيل تصريح لزيارته. لكني أصارحك بأني أنا التي أحسدها، لأنها غير ملزمة بالاختيار بين إطعام العائلة وبين رؤية الأب. أعفوني من هذا الامتحان”.

الأب “عربي” مثله مثل سائر الناس البسطاء العاديين في الضفة… فقير هو الآخر وعاطل عن العمل يتلقط عملاً موسمياً مؤقتاً بين الحين والآخر. لذلك توصّل مع زوجته إلى ابتداع حل لمشكلة الزيارة بأن يزورهم هو، المحروم من دخول إسرائيل، خفية وتسللا. هذا قرار حافل بالمخاطرات … إذ قد يجري ضبطه على الحدود أو في بيت وقرية الأم أثناء الزيارة، ومن ثم اعتقاله والزج به في السجن لشهور، أو لسنوات إذا ما جرى تلفيق تهمة أمنية له، كما تقول “فلسطين”.

تعلو فجأة ابتسامة رضا على وجه “فلسطين”، تنظر حولها متفحصة المكان فيما إذا كان أحد يرانا أو يسمعنا. تهمس لي: “لكنه يزورنا، وأحياناً مرتين في السنة الواحدة”. ابتسامة الرضى على وجهها تتحول إلى ما هي أشبه بابتسامة الانتصار. انتصر “عربي وفلسطين” والأطفال “باقية وحنين وصامد ونضال” على دولة إسرائيل… على القوة العسكرية الرابعة في العالم ومالكة السلاح النووي. لقد هزموها… والتقوا كعائلة، أباً وأماً وأربعة أطفال!

“أحلم بزوج وبأب للأطفال، مثل كل الأزواج والآباء… يعيش مع عائلته. هذا أقصى ما أحلم به.”- تقول “فلسطين”. حين يزورهم “عربي” سراً يأتيهم متخفياً ومتلحفاً بسواد الليل حتى لا يراه ويتعرف عليه أحد. يحبس أنفاسه داخل البراكية، ويتحلق الأولاد معاً حوله وعليه- على ظهره وعلى رجليه وعلى صدره. بعد يوم أو يومين يختفي هذا الفرح السجين. ابنٌ يقول لي إنه يحلم بأن يخرج أبوه معه للشوارع وللبلدة القريبة … مثله مثل كل الآباء. وبنت تسأل لماذا لا يأخذها والدها للتسوق في المدينة القريبة… مثلما يفعل آباء زميلاتها. “حتى عندما زارنا في أحد الأعياد لم نستطع السفر كعائلة مع الأولاد لحدائق وأماكن الألعاب والأسواق، كما تفعل كل العائلات. إذ قد يصادفنا شرطي ما ويطلب هوياتنا الشخصية … وعندها سيُعتقل الزوج ويُزّج به في السجن، فلا نراه في زيارة مكلفة منا ولا في زيارة سرية تسللية منه، لذلك عيّدنا “سجناء” في البراكية- تقول “فلسطين” .

ليس الأولاد فقط وإنما الأم أيضا تعاني من شتى الأمراض. هي من ناحية العمر، ما زالت فتية. لكنها تعاني من شتى أعراض الأمراض- الضغط والسكري وضيق النفس. نصحتها عجوز من القرية بأن تطلق زوجها وتتزوج من آخر يكون “أباً” للأطفال وسنداً لها ومعيلاً للعائلة. احتدت “فلسطين” لهذه النصيحة، وزعقت: “بأي حق أعاقب زوجاً أحبني ولم يتزوج من امرأة ثانية رغم افتراقنا القسري الطويل؟ ثم أنا لا يمكن أن أجلب “أباً” جديداً للأطفال. ولا يمكن لأي أب “جديد” أن يحب الأطفال كما يحبهم والدهم وكما يحبونه هم أيضا. ينصحني البعض هنا بالطلاق، وينصحه البعض هناك بالزواج من امرأة ثانية. و”ينصحنا” المسؤولون في وزارة الداخلية، الذين يرفضون سنوياً طلبنا بلم الشمل، بأن ننسى حلمنا البسيط والطبيعي بأن تعيش الزوجة مع الزوج ومع أولادهما تحت سقف واحد. لكن لن نُطلّق حلمنا وحلم أطفالنا بأن يعود زوجي- والدهم للعيش معهم. “فلتُطلق” إسرائيل قانونها-” تنهي “فلسطين” كلامها معي.

الابن الأصغر “نضال” يلعب بالأتربة مع بعض دجاجات، ليس بعيداً عنا، وينظر إلينا بين الحين والآخر. لا أعرف أن كان يسمعنا أو إن كان يفهم ويعي ما يكون قد سمعه. لكنه يفاجئنا، منادياً صارخاً على أمه : “يما أنا راح ارجّع أبوي”!

هل يسمع العالم تصميم الطفل “نضال”؟! أو آهة ورجاء الأم “فلسطين” التي تقول إن أقصى أحلامها هو أن يعيش زوجها معها، أباً لأطفالهما.

القصة الثانية من تقرير “قانون يسلب المواطنة “أليس لهذا التية والتشريد … من آخر؟!”

أصدرت المؤسسة العربية لحقوق الإنسان تقرير “قانون يسلب المواطنة” تعديل قانون المواطنة وأثره على العائلات الفلسطينية في إسرائيل- ستقوم على مدار الأسبوع بنشر القصص الواردة في التقرير تباعاً. الرجاء تعميم القصص، القصة الثانية: ” أليس لهذا التية والتشريد … من آخر؟!”

أليس لهذا التية والتشريد … من آخر؟!

نَكبَت نكبة العام 1948 قرية عاقر قضاء الرملة، كما نَكَبَت أكثر من 478 قرية عربية فلسطينية وخربة وتجمعاً بدوياً. هَدمت قوات الجيش الإسرائيلي القرية وشرّدت أهلها. وصل بعض الأهالي الى غزة واستقروا هناك، واستقر آخرون في بلدات عربية ضمن المنطقة التي قامت عليها إسرائيل. وعلى أنقاض قرية عاقر بنت إسرائيل مستوطنة يهودية هي “كيبوتس عقرون”.

يعود أصل آل أبو غزال، الى قرية عاقر. قاد التشريد بعضهم الى غزة، واستقر بعضهم الآخر في مدينة اللد وأصبحوا مواطنين في إسرائيل. نكبة ال-48 شردتهم وقطعت أوصالهم، واحتلال حزيران 1967 لغزة أعاد تواصلهم.

هكذا التقى محمد أبو غزال من غزة المحتلة بابنة عمه سميرة أبو غزال من اللد. كلّ وجد نصفه الضائع، تزوّجا عام 1977 وأنجبا خمس بنات وابنا بكراً يُدعى شادي.

يعمل الوالد محمد ممرضاً مسؤولاً في مستشفى “النصر” للأطفال في غزة، وكل أخوته وبعض أعمامه وأخواله يقطنون هناك. هو لا يريد أن يترك عمله وأقاربه ويأتي للعيش مع زوجته في اللد داخل إسرائيل (وحتى إن أراد لن يجيز له هذا تعديل قانون المواطنة من سنة 2002). لكن الزوجة سميرة، المواطنة في إسرائيل، لا تريد التنازل عن مواطنتها والافتراق الأبدي عن مدينتها اللد وعن أهلها وأقاربها فيها. هي انتقلت للعيش مع زوجها في غزة لكنها أنجبت أبناءها الستة في إسرائيل. فأكسبتهم بهذا وبحفاظها على مواطنتها المواطنة الكاملة. لكنّ العائلة وأبناءها عاشوا وكبروا في غزة حيث الوالد والوالدة، وهناك أنهى شادي –ابنهما- دراسته الجامعية.

نبدأ بمشكلة الأم سميرة. بصفتها تحمل المواطنة الإسرائيلية الكاملة، يحق لها نظرياً أن تدخل إسرائيل متى تريد. وتكمن “المشكلة” في دخولها وبقائها في غزة، إذ عليها أن تحصل كل ستة أشهر على تصريح يجيز لها الدخول إلى غزة والإقامة فيها مع زوجها وأولادها! وكل ستة أشهر، حتى لَو لم تُرِد العودة إلى اللد في إسرائيل، عليها أن تقطع معبر “الحدود” وتجدد التصريح بخصوص الإقامة مع زوجها في بلدته. وللحقيقة رغم غرائبية هذا الأمر ومرارة السفر وقساوة المعاملات عند المعبر، إلا أن إسرائيل لا ترفض منحها التصريح… إذ لا يضير “دولة اليهود” أن ينقص عدد العرب ضمن حدودها وأن يقيموا مع عائلاتهم خارجها. إقامة الأم المواطنة مع زوجها وأبنائها في إسرائيل هو الأمر الممنوع.

أخذت المشكلة تتفاقم مع كبر الأبناء، وكلهم يحملون الجنسية الإسرائيلية، بصفتهم مواطنين في إسرائيل مثلهم مثل أمهم. انتقل شادي للعيش في اللد  حيث يعمل فيها مدرساً، ولحقت به أختان له. الأخوات الثلاث الأخريات بقين في غزة، اثنتان تزوجتا هناك وفقدتا حق المواطنة الإسرائيلية.

قصة هذه العائلة غريبة ونادرة أيضا، إذ أن الزوج من المناطق المحتلة عام 1967 هو الذي يطلب عادة المواطنة حين يتزوج من مواطنة عربية، وتكون النتيجة الرفض وتفسيخ العائلة. محمد أبو غزال لم يطلب هذا، وزوجته سميرة لم ترفض الانتقال للعيش مع زوجها في غزة الى جانب المحافظة على مواطنتها ومواطنة أبنائها. ورغم هذا تقود قوانين إسرائيل وإجراءاتها الى تشريدهم. علماً أن عائلة أبو غزال بسكناها في غزة أسقطت حجج إسرائيل الواهية بأن الهدف من وراء زواج عربي من المناطق المحتلة بعربية من إسرائيل هو المسّ بيهودية الدولة من خلال تغيير ديمغرافيتها، و/أو الانتقال للعيش فيها بهدف القيام “بأعمال تخريبية وإرهابية” في إسرائيل .

تشردت عائلة أبو غزال وتقطعت أوصالها من جديد: الأب لا يستطيع حتى لو أراد الانتقال للعيش في اللد مع عائلته، لن تسمح له إسرائيل بهذا الحق. البنات اللاتي بقين وتزوجن هناك في غزة ممنوعات من هذا الحق أيضا. نصف العائلة الآن تحمل جنسية إسرائيلية ونصفها يحمل جنسية فلسطينية “غزاوية”، والنصفان ممنوعان من اللقاء والتواصل والزيارات الدائمة، مع أنهما عائلة واحدة. حال الأم سميرة هي الأسهل نسبياً إذ يجوز لها، كما أسلفنا ، العيش في غزة وزيارة عائلتها الأخرى  والعيش في اللد. بانشطار العائلة انشطر قلب الأم الى شطرين، بين الأب وبناتها الثلاث في غزة وبين ثلاثة من أبنائها في اللد.

شطر عائلة أبو غزال في غزة لا يستطيع (عدا عن الأم) زيارة نصفه الآخر في اللد. وشطر أبو غزال في اللد “يستطيع”، قانونياً وشكلياً، زيارة نصفه الآخر في غزة، لكن هذا مرتبط بمعاملات خاصة وطويلة ومريرة تنتهي عادة برفض الطلب، إلا في “حالات استثنائية” خاصة ونادرة جداً.

سيتوه القارئ كتيه اوديسيوس في “الأوديسا”، إذا ما عرضنا له أدناه كل ما يمّر على الأفراد الثمانية لهذه العائلة المشطورة من مرارات ومعاناة بفعل ذاك التعديل لقانون المواطنة. شطر العائلة الواحدة أصبح، بحكم القانون، وكأنه في “حرب وعداء” مع الشطر الآخر بحكم كونه يقطن “دولة – منطقة- تعرّفها إسرائيل على أنها معادية وفي حرب معها”، وكأنّ لقاء الابن مع أبيه وأخته… يشكل “خطراً إرهابيا” على الدولة.

لندع شادي  يتكلم: “خلال (11) عاماً مضت لم أستطع تحصيل حق زيارة أهلي في غزة ورؤية والدي إلا مرتين، وكل مرة لثلاث أيام فقط. قدّمت في إحدى المرات أوراقاً طبية تثبت أن والدي مريض بالسكري، قال لي الضابط المسؤول عن التصاريح إن طلبي مرفوض “لأن درجة المرض ليست خطيرة بعد!”. بعد أشهر قدّمتُ له وثائق تثبت أن المرض يتفاقم، أجابني الضابط أن طلبي مرفوض، لأن الوالد ما زال في الخمسينات من عمره ولن يتوفى قريباً بحسب رأيه. سألته محتجاً: “بأي مرض آتيك حتى تسمح لي بزيارة أبي وأمي وأخواتي؟ أجاب: “نوبة قلبية حادة، أو عطل في الدماغ، أو أي مرض آخر يؤكد أن الموت قريب ولا بد منه”. صرخت في وجهه: “سأختصر الطريق وسآتيك ربما بشهادة وفاته”. قهقه الضابط وقال: “سنعطيك فوراً عندها تصريحاً ليومين لحضور الجنازة ومراسيم الدفن”.

يؤكد شادي، من تجربته، أن الموت ليس بالضرورة دوماً سبباً وجيهاً وإنسانياً يجيز الزيارة. لقد منعوه من الزيارة للمشاركة حتى في مراسيم دفن جدته، ومن الزيارة لحضور مراسيم دفن ابن عمه.

ولشادي ابن يُدعى محمد- على اسم جده، هو  في الرابعة من عمره. يتواصل محمد الحفيد مع جده محمد في غزة عن طريق الهاتف. وكان قد زاره قبل سنة ونصف مع والده، لأن الوالد حصل يومها على تصريح بزيارة أمه التي كانت تخضع لعملية جراحية خطيرة في غزة. وهنالك تعرف محمد على ابنة عمته وتدعى لما، كذلك عرف أن جدّه خبير في الدراجات وتصليحها وأنواعها. منذ أشهر يبكي محمد يومياً طالباً أن يلعب مع لما وأن تزوره أو يزورها أو طالباً أن يجلب له جده دراجة للأطفال.

يقول شادي: كلما يبكي محمد مطالباً بلما، آخذه في جولة في اللد وألهيه حتى يتعب وأعيده نائماً الى البيت، أما الدراجة التي طالب بها جده، فقمت بشرائها من دكان في اللد وقلتُ له أن جده أرسلها له، ولم يستطع زيارته وجلبها له لأن هذا “ممنوع”. فعلقتُ بأسئلته العديدة عمّا تعني كلمة “ممنوع”، ولماذا جده “ممنوع” من زيارته، بينما أجداد زملائه في الحضانة يزورون أحفادهم.

بعد أسابيع من تلك الحادثة تُخبر معلمة الحضانة والد محمد أنه في أثناء تدريسها للأطفال عن العائلة، بالذات عن الجد والجدة فيها، انطلق محمد بثرثرة حماسية وغير مفهومة عن جده وقال إنه في غزة ويرسل له الهدايا، ومؤخراً أرسل له حلويات ودراجة. سألت المعلمة الطفل محمد لماذا يرسل جدك الهدايا لك ولا يجلبها معه حين يزورك؟ ألا يزورك أو تزوره؟ أجاب محمد : “لأ، منّوع”- أي “لا، ممنوع”.

تدمع عينا شادي – أبو محمد – وهو يحدثني. ثم يستعيد قوته فجأة ويرتدي ثوب المتعلم والمعلم الرصين ويقول: “جيل ابني محمد هو الجيل السابع منذ 1948، جيل وراء جيل ينمو ويكبر في ظل المأساة مشرداً ولاجئاً ومتقطع الأوصال في شتى دول العالم وبقاع الأرض. وما من ذنب ارتكبه أجدادنا إلاّ كونهم وُلدوا عرباً في فلسطين بالذات. لكن الإنسان لا يستطيع الاختيار في أي بلد يولد ولأي شعب ينتمي. وها هي إسرائيل، بقانون المواطنة الجديد، تريد أن تتحكم حتى بخيارات زواجنا وبخيار وحق العائلة أن تعيش معاً وأن يتعرف أفرادُها على أفرادِها وأن يزور بعضُهم بعضاً.”

بعد صمت حزين، يواصل أبو محمد الكلام: “ما يؤلمني بشكل خاص هو أن مَن يفعل بنا هذا هم اليهود الذين كانوا في تيههم وتشتتهم من أكثر أبناء البشرية معاناة من الظلم والإقصاء والتمييز العنصري، فكيف يفعلون بالآخرين ما عانوا هم أنفسهم منه في تاريخ مضى؟

أما لهذا الليل من آخر؟ أما لهذا التيه والتشريد والغربة والاغتراب وتراكم المآسي من نهاية؟ أناشد الديمقراطيين اليهود، أناشد كل أحرار العالم والضمير العالمي، أن يضعوا حداً لهذه المأساة. إلى متى سيستمر هذا الصمت العالمي وعدم الضغط على إسرائيل  وإلزامها باحترام  حقوق الإنسان – بصفته إنساناً؟ لا أريد لابني أن ينمو ويكبر ناقصاً وحاقداً وباحثاً عن انتقام. أريد السلام والطمأنينة لشعبَيْ هذه البلاد، عرباً ويهود، فهل من مُعين”؟ّ

نهض شادي من مقعده. أنهى اللقاء من طرف واحد وخرج. بقيتُ وحدي في الغرفة. أخذتُ أفكر كيف سأكتب نهاية هذه القصة. قررّتُ أن أسئلة شادي هي النهاية الأفضل. فهل يقدّم قضاء إسرائيل وضمير العالم الجواب المطلوب لها؟!

القصة الأولى من تقرير “قانون يسلب المواطنة ” يافا: “الأب في الجرار…”

أصدرت المؤسسة العربية لحقوق الإنسان تقرير “قانون يسلب المواطنة” تعديل قانون المواطنة وأثره على العائلات الفلسطينية في إسرائيل- ستقوم على مدار الأسبوع بنشر القصص الواردة في التقرير تباعاً. الرجاء تعميم القصص، القصة الأولى: ” يافا: “الأب في الجرار…”

يافا: “الأب في الجرار…”

هي من عائلة يافاوية أصلية، “جد جد جدي، وعلى مدى أجيال سابقة، وُلد وعاش في يافا. أنا لم أهاجر الى إسرائيل، بل بقيت في وطني حين قامت إسرائيل على أرض هذا الوطن. فأصبحتُ مواطنة إسرائيلية”- هذا ما تقوله نيلي أبو قاعودالمتزوجة من سمير كلاّب العربي الفلسطيني مثلها… “لكنه من مخيم خان يونس في قطاع غزة المحتلة من قبل إسرائيل منذ حزيران 1967” – تضيف نيلي. تعرّفا على بعض وتزوجا في يافا عام 2001 وأنجبا طفلين: لطيفة عام 2002 وعلي عام 2003.

يعود أصل عائلة كُلاّب الى يافا أيضاً، لكن العائلة تشردت عام النكبة 1948، واستقرت في غزة. عندما كانت الطرق مفتوحة والتنقل مسموحاً بين يافا وغزة، جاء سمير مع إخوته الكبار للعمل في يافا، كان عمره 12 عاماً. شبّ في يافا، تعرف على نيلي، أحبّا بعض وتزوجا وعاشا معاً في المدينة. في أوائل عام 2004 قامت السلطات الإسرائيلية باعتقال سمير وطرده الى غزة. “أخذوه مني ومن ولديه الطفلين وكبّوه في غزة…” تقول نيلي. هكذا ببساطة… لأنه كان قد صدر يومها “قانون المواطنة والدخول الى إسرائيل- التعديل رقم 1”. “زوجي، أنا المواطنة، لم يَعُد مواطناً، أصبح “متسللاً” ومقيماً غير شرعي في بيته مع عائلته-  وأولاده” تقول الزوجة باستغراب!

عندما اعتقلت الشرطة سمير كانت نيلي مريضة بسرطان الثدي، وكان عمر صغيرهما علي أربعة أشهر. فاضت “إنسانية” السلطات فقررت اعتقاله لمدة ستة أشهر، ثم فاضت “إنسانية” القاضي من بعدها فقرر اعتقاله منزلياً في بيته على أن لا يخرج منه أبداً. زوجته مريضة ولا أحد يعرف إن كانت ستشفى، وعندهما طفلان- أي أن الاعتقال والحبس المنزلي لمدة سنة، تمهيداً للإبعاد إلى غزة، لزوج إنسانة-مواطنة، أم لطفلين- يأكلها السرطان، هو قمة ما يسمح به استثناء القانون “لأسباب إنسانية”. وكأنّ “عدالة” إٍسرائيل تنتظر وفاة الزوجة وترحيل زوجها مع ولديه الى غزة، أو شفاءها وطرد الأب مع عائلته، أو بقاء الأم مع طفليها بدون زوج وأب إذا ما أصرّت على الاحتفاظ بمواطنتها وبقائها في بيتها في يافا. لكن بعد أربعة أشهر من الاعتقال المنزلي اضطر سمير للخروج من بيته. ضبطته الشرطة و”كبّوه” في غزة…

مرّ على هذه الحال ما يقارب ثماني سنوات حتى اليوم (أيار 2012). الأم والأبناء في يافا والأب في غزة. باءت بالفشل كل محاولاتهما لجمع الشمل. إذ أن تفسيخ العائلة وحرمان الزوجة والأطفال من زوجها- والدهم وحرمان الأب من عائلته، ليس “عاملاً إنسانياً” كافياً يوجب إعطاء الزوج حق المواطنة ولا حق الإقامة المؤقتة، أو حتى حق زيارة عائلته لساعات قليلة، ولَوْ مرة واحدة في السنة!

“أكتب، أكتب… دع منظمات حقوق الإنسان ودول العالم تعرف مأساتنا” – تنفجر نيلي (أم علي) حين تراني أدوّن كلامها. وتتابع: “لكن أطلب منهم أن يزورونا، فليأتوا وليعيشوا معنا لأسبوع، بل ليوم واحد”. ربما يجدون جواباً لسؤال الزوجة والأبناء لماذا حُكم عليهم أن يعيشوا بلا زوج- أب. “أرملة وأيتام” لزوج ولأب ما زال حيّاً ويقطن على بعد ساعات قليلة من السفر عنهم. ربما يجدون عندها أيضا جواباً للأطفال: لماذا برّاد الطعام شبه فارغ يومياً، ولماذا يستيقظون ليلاً على صوت شهيق مكبوت لأمهم، ولماذا يعيش الجار مايكل مع زوجته كاتيا، ويلعب مايكل بالطابة مع أولاده ويأخذهم للبحر للسباحة، بينما والدهم في غزة وممنوع من العيش معهم؟

إلتقيتُ بأم علي وأولادها في حديقة عامة قرب شاطئ البحر- الشاطئ ذاته حيث تعرفت قبل 12 عاماً على سمير. لاحظت وجود طفلتين صغيرتين إضافيتين معها، عدا عن الطفلين لطيفة وعلي. اسم “الكبرى” رقية وعمرها سنتان، واسم “الصغرى” مينا وعمرها أربعة أشهر.

لم أسأل أم علي عن الطفلتين، لكنها لاحظت حرجي من السؤال فبادرتني بالكلام، “جلبتهما من غزة…”. يحق لنيلي أن تزور زوجها في خان يونس، لكن عليها أن تقطع طريقاً طويلاً من الآلام والمماطلة حتى تحصل على التصريح. هي تريد رؤية زوجها وتريد للطيفة وعلي، وقد كبرا، أن يتعرفا أكثر على والدهما وأن يتعرف والدهما عليهما. وأخيراً حصلت على التصريح وعادت من غزة حاملاً برقية. ولأن زوجها مُنع من زيارتها في أسابيع حملها الأخيرة ورؤية ولادة ابنته ، قررت نيلي أن تزور غزة لتُعرّف زوجها على مولودته الجديدة. عادت من هذه الزيارة الثانية حاملاً بمينا. الآن تريد أم علي تقديم طلب بالسماح لها بالسفر مرّة ثالثة الى غزة “أريد أن أريه ابنته مينا، هي صورة مصغّرة عنه” – تقول.

أسالها: ألم يقدّم هو طلباً لزيارتكم لرؤية مينا؟ تجيبني أم علي: “بلى، قدّم ورفضت السلطات الإسرائيلية طلبه، هو اليوم مسجون في غزة. الحمد لله، هذا أفضل من أن يقتله الجنود على الحدود”.

حين رُفِض طلب سمير بدخول البلاد، قرّر أن يدخلها متسللا عن طريق الحدود المصرية مع إسرائيل. ضبطه الجنود المصريون قبل وصوله الى الحدود الإسرائيلية وأعادوه الى غزة. اعتقلته السلطة في غزة وسجنته، إذ  اشتبهت فيه أنه، إما مهرّباً للمحظورات وإما عميلاً لإسرائيل.

استطعتُ أن أهاتف سمير- أبو علي- في سجنه في غزة. سيتم إطلاق سراحه قريباً.  كما يظهر أصبحت السلطة هناك شبه متأكدة من صحة روايته. (إعفوني من ذكر كيف توصّلت إليه واستطعت مهاتفته وهو داخل السجن). سألته عن زوجته نيلي وأولاده، شعرت أنه يحسدني لأني أنا الغريب ألتقي بزوجته وبأبنائه، وهو لا يقدر على ذلك. أراد أن أصف له بدقة شكل الطفلة الرضيعة مينا التي لم يرها منذ ولادتها. أجبته: زوجتك أم علي قالت لي إنها تشبهك مائة بالمائة، وأنها بدأت تعلّمها النطق بكلمة “بابا” وتريها صورتك وهي تعلّمها…

على الطرف الثاني من الخط ساد صمت طويل رهيب … قطعته حشرجة مكبوتة. “البابا… صورة”- علا صوت أبو علي ثم انفجر: “هل يعرف اليهود والعالم معهم كيف يتعرف العربي الفلسطيني على أبيه؟ وكيف تصبح رؤيةالعربي لابنه خطراً أمنياً، ولقاء الزوج بزوجته وعيشهما معاً مع الأبناء كعائلة… عملاً إرهابياً يهدّد كيان الدولة، إلى متى يصمت هذا العالم؟، عشتُ 12 عاماً في يافا دون أن أقترف أية مخالفة أمنية، وتزوجت قبل صدور ذاك القانون الملعون، أي ذنب أو خطأ ارتكبتُ في حياتي؟ أم أن ذنبي هو ولادتي عربياً وحبي وزواجي من امرأة عربية فلسطينية تحمل الجنسية الإسرائيلية؟ لكن ما ذنب الأطفال؟! هل عليّ أن أتهوّد حتى أعيش مع عائلتي؟ وهل تقبل إسرائيل أصلاً أن أتهوّد.ّ”

تعيش نيلي وأبناؤها الأربعة في “شقة” من غرفتين صغيرتين وزاوية أصغر للمطبخ. هذه ليست شقة عملياً، وإنما عيادة سابقة لطبيب أسنان استأجرتها وجعلت منها شقة للسكن. بسبب إعاقتها المرضية هي لا تعمل، وتعتاش بفقر على مخصصات “التأمين الوطني” التي تصرف غالبيتها على أجرة “الشقة” وفاتورة الكهرباء والمياه والغاز، ويتبقى القليل للطعام وللثياب ولتنشئة وتعليم أربعة أولاد. هي لا ترسل ابنتها الثالثة- رقية- إلى الحضانة، لعدم تمكنها من دفع الأقساط الشهرية، والجيران أعطوها عربة أطفال مستعملة لابنتها الرابعة- مينا- للجلوس وللتنقل… وللنوم فيها. الأنفار الخمسة ينامون في غرفة واحدة صغيرة.

تطلب أم علي من أبنائها الأربعة المتحلقين حولها الذهاب للعب والابتعاد عنّا، تطمئن لابتعادهم فتجهش ببكاءٍ مرير وتقول: “كبر الأولاد، أصبحوا يسألون عن والدهم، ولماذا لا يعيش معهم، ولماذا لا يستطيعون شراء ما يحتاجونه كسائر الأولاد. افتتاح السنة الدراسية يوم فرح للناس ويوم مصيبة بالنسبة لي، أتمنى سنوياً أن يتأجل. إذ كيف سأستطيع تدبير الأمور مالياً وشراء الحقائب والكتب والدفاتر والقرطاسية للطيفة وعلي. حتى مجيء العيد مصيبة ومأساة، أصبحتُ لا أشارك أهلي وأقاربي في الاحتفالات المشتركة بالأعياد، أي طعام سآخذ الى هناك، وماذا مع نظرات أطفالي لأطفال الأقارب وهم يرتدون ثياب العيد الجديدة ويتفاخرون بهدايا العيد من آبائهم وأمهاتهم. أطفال يكبرون بعوز دائم بلا أب، بلا ثياب جديدة وألعاب، بلا أعياد … ماذا سيكون مصيرهم.”

تبكي نيلي دمعاً جافاً، تسقط دمعتان كبيرتان من عينيها على وجنتيها وتستقران هناك. أغض الطرف عنها وأتفرس في الأرض لإخفاء دمعي. أفكر بسّري: “كيف بإمكاني جلب قضاة محكمة العدل العليا الى هنا لرؤية هاتين الدمعتين على وجنتي نيلي ولسماع كلامها”. ثم أشيح بنظري بعيداً فيقع على الابن علي يتكئ على جذع شجرة في الحديقة وعيناه متسمرتان على مجموعة أولاد يتناولون المرطبات والبوظا ويلعبون بألعاب (طابات ودرّاجات جلبوها معهم من بيوتهم). أتجه نحوه وأضع في يده نقوداً “خذ هذه النقود واشتر مرطبات وبوظا”. يعيد لي النقود بأنَفٍ، أقول له “هذه النقود من أمك”. لا أعرف إن كان قد صدقني. أخذها وذهبنا معاً للشراء، ودار بيننا هذا الحديث:

  • علي، هل تتحدث مع والدك؟

o      نعم، أتحدث معه يومياً في الصباح والمساء.

  • عن ماذا؟

o      أسأله عن حاله وأحدثه عن دروسي وعن أخوتي وعن الماما، وأطلب منه أشياء أريد أن يجلبها لي عندما يعود للعيش معنا.

  • تتحدث معه عن طريق الهاتف طبعاً؟

o      لا. أنا أتحدث معه عن طريق “الجرّار”، لكن أكيد البابا يسمعني.

صُعقْت، سألتُ والدته عندما عدنا ما هو “الجرار” الذي يقول علي إنه يتحدث بواسطته مع أبيه؟ صُعقت هي الأخرى. فسّرت لي أن “الجرار” باللهجة اليافوية هو “الجرور”. توجد في غرفة نومهم مرآة في أسفلها جارور، وداخل الجارور توجد صورة لأبي علي. “الآن فهمت لماذا غالباً ما أجد الجارور مفتوحاً حين أدخل غرفة النوم”- قالت أم علي.

ودّعتُ نيلي، ليس قبل أن أقول لها: “من يجعل من أب الأطفال صورة في جرّار، يضع قيم الديمقراطية والعدالة على كفي عفريت، ويضع مستقبل شعبه ودولته “اليهودية” في زنزانة”. قبل أن أبتعد سمعتها تنادي: “يا أستاذ، يا أستاذ، نسيت أن أقول لك إن جارتنا كاتيا يهودية قدمت الى البلاد من روسيا قبل 12 عاماً، وحصلت على المواطنة في المطار حال وصولها. قبل تسع سنوات سافرت للسياحة في أمريكا، تعرفت هناك على مايكل الأمريكي، هو ليس يهودياً، تزوجا وعادا الى البلاد. أصبح مايكل أيضا مواطناً”.

التقرير كامل:

http://www.arabhra.org/HraAdmin/UserImages/Files/Citizenship%20Law-Arabic.pdf